ترجمة إمام المالكية الإمام الشهير شرقا وغربا أبو عبد الله محمد بن عرفة 716 - 803 هـ
هذا الإمام الذي وصفه الإمام ابن فرحون بأنه صائم الدهر والإمام السيوطي بأنه مجدد المائة الثامنة والحافظ ابن حجر بأنه شيخ الإسلام بالمغرب والإمام قاضي الجماعة أبومهدي الغبريني بأنه لايرى ولايسمع مثله في ثلاثة أشياء الصيام والقيام وتلاوة القرءان
محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي إمامها وعالمها وخطيبها الإمام العلامة المحقق القدوة النظار شيخ الإسلام العالم المبعوث على رأس المائة الثامنة ذكر ذلك السيوطي في نظمه قال ابن فرحون في الديباج هو الإمام العلامة المقرئ الفروعي الأصولي البياني المنطقي شيخ الشيوخ وبقية أهل الرسوخ روى عن المحدث أبي عبد الله محمد بن جابر الوادي آشي الصحيحين سماعا وأجازه وروى عن الفقيه القاضي أبي عبد الله بن عبد السلام وسمع عليه موطأ مالك وعلوم الحديث لابن الصلاح وعن الفقيه المحدث الراوية أبي عبد الله محمد بن محمد بن حسين بن سلمة الأنصاري وقرأ عليه القرءان العظيم بقراءة الأيمة الثمانية وتفقه على الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد السلام وأبي عبد الله محمد بن هارون ومحمد بن حسن الزبيدي وأبي عبد الله الآبلي ونظرائهم
وتفرد بشيخوخة العلم والفتوى في المذهب له التصانيف العزيزة والفضائل العديدة انتشر علمه شرقا وغربا فإليه الرحلة في الفتوى والإشتغال بالعلم والرواية حافظا للمذهب ضابطا لقواعده إماما في علوم القرءان مجيدا في العربية والأصلين والفرائض والحساب وعلم المنطق وغير ذلك وله في ذلك تآليف مفيدة
تخرج على يديه جماعة من العلماء الأعلام وقضاة الإسلام فعن رأيه تصدر الولايات وبإشارته تعين الشهود للشهادات ولم يرض لنفسه الدخول في الولايات بل اقتصر على الإمامة والخطابة بجامع الزيتونة وانقطع للإشتغال بالعلم والتصدر لتجويد القراءات
أجمع على اعتقاده ومحبته الخاصة والعامة ذادين متين وعقل رصين وحسن إخاء وبشاشة وجه للطلاب صائم الدهر لايفتر عن ذكر الله وتلاوة القرءان إلا في أوقات الإشتغال منقبضا عن مداخلة السلاطين لايرى إلا في الجامع أو في حلقة التدريس لايغشى سوقا ولامجتمعا ولا مجلس حاكم إلا أن يستدعيه السلطان في الأمور الدينية كهفا للواردين عليه من أقطار البلاد يبالغ في برهم والإحسان إليهم وقضاء حوائجهم وقد خوله الله تعالى في رئاسة الدين والدنيا مالم يجتمع لغيره في بلده له أوقاف جزيلة في وجوه البر وفكاك الأسارى ومناقبه عديدة وفضائله كثيرة وله تآليف منها تقييده الكبير في المذهب في نحو عشرة أسفار جمع فيه مالم يجتمع في غيره أقبل الناس على تحصيله شرقا وغربا وله في أصول الدين تأليف عارض به كتاب الطوالع للبيضاوي واختصر كتاب الحوفي اختصارا وجيزا وله تأليف في المنطق وغير ذلك وأقام والده بالمدينة على منهاج الصالحين والسلف الماضين توفي فيما أظن سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ودفن بالبقيع وحج الشيخ أبوعبد الله -يعني الإمام ابن عرفة - في سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة فتلقاه العلماء وأرباب المناصب بالإكرام التام واجتمع بسلطان مصر الملك الظاهر فأكرمه وأوصى أمير الركب بخدمته ولما زار المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام نزل عندي في البيت وكان يسرد الصوم في سفره وهو باق بالحياة وذكر لي مولده أنه سنة ست عشرة وسبعمائة نفع الله تعالى به انتهى
وقال الشيخ الإمام الرصاع هو شيخ الإسلام الإمام الأعلم الصالح القدوة الفهامة البركة الحاج الأنزه الأكمل كان والده خيرا صالحا متعبدا جاور بالمدينة الشريفة على ساكنها الصلاة والسلام ولازمها حتى توفي وكان يدعو ءاخر الليل لولده بعد تهجده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ثم يقول يانبي الله محمد بن عرفة في حماك يقوله في كل ليلة فصحبه اللطف الجميل في حياته وظهر عليه ءاثار البركة بعده وكان أبوه صاحب جد وولاية يناول عصا الخطيب لولي الله خليل المكي فإذا ناوله يقول ياسيدي ادع لمحمد ولدي فكان له بذلك الكرامات
كان الشيخ رضي الله عنه في صغره مشهورا بالجد والإجتهاد والمطالعة والمذاكرة لازم الشيوخ الجلة أخذ عن الإمام ابن عبد السلام القراءات العشر والحديث ولازمه كثيرا وأخذ عنه علما غزيرا والفرائض على الشيخ السطي والعلوم العقلية على ابن أندراس والآبلي وعلى ابن الحباب النحو والمنطق والجدل وعلى الآبلي الحساب وسائر المعقول وكان يثني عليه وقرأ بالسبع على ابن سلامة والفقه على ابن عبد السلام وابن قداح وابن هارون والسطي وأما جده واجتهاده في الطاعات من صلاة وصيام وصدقة فيقال إنه بلغ درجة كثير من التابعين وحكاية حاله في ذلك تحتاج لتأليف
ألف تآليف عجيبة كمختصره الفقهي الذي لم يسبق به في تهذيبه وجمعه وأبحاثه الرشيقة وحدوده الأنيقة وتأليفه في المنطق فيه من القواعد والفوائد على صغر جرمه مايعجز عنه الفحول وتأليفه في الأصلين وغيرهما من أماليه الحديثية والقرءانية والحكم الشرعية وكان مسعودا في دنياه مرضيا عنه في أخراه مع طول عمره هابته الملوك وقامت بحقه ومن سعادته أنه لم يبتل بتولية القضاء مع قدرته على تحصيله حفظا من الله تعالى له.
تولى إمامة الجامع الأعظم - جامع الزيتونة - سنة خمسين وسبعمائة وقدم لخطابته عام اثنين وسبعين وللفتوى عام ثلاثة وسبعين ولم يقع له عذر في صلاة من الصلوات إلا زمن أمراضه الثلاثة وزمن خروجه في مصلحة المسلمين بعثه الملك الهمام أبو العباس جمع الله له خيري الدنيا والآخرة
كان رحمه الله وليا صالحا ذكيا قدوة سنيا عارفا محققا صاحب سعد نهاية في المنقول والمعقول بقية الراسخين ءاخر المتعبدين تواتر هديه وغزارة علمه وقوة فهمه ألقى الله محبته في القلوب شيخ كثير من شيوخنا وكان شيوخنا الآخذون عنه يقفون عند حده معظمين لقدره مسلمين لفهمه وتلقينا عنهم كراماته ومحاسنه وحسن دينه وطريقته وكتبه جامعة مانعة شافية مبرز الفقهاء قل من يفك رموزه ويفهمها يتفاخرون بذلك خلفا عن سلف انتهى كلام الإمام الرصاع ملخصا لخصه شيخ الشيوخ أحمد باب التنبكتي شارح المختصر
وقال الإمام القاضي ابن الأزرق حال الشيخ ابن عرفة في بلوغه أقصى مراتب الغاية العلمية لاينكر ومقامه في المجاهدة العملية من أشهر مايذكر فقد أخبرني الفقيه القاضي الأجل خاتمة السلف أبوعبد الله الزلديوي نزيل تونس مكاتبة قال كان ابن عرفة في العلوم كما دلت عليه تآليفه فيها وفي العبارة بمزية أعلى قال سمعت شيخنا الإمام المعظم قاضي الجماعة أبامهدي الغبريني يقول لايرى ولايسمع مثل سيدي الفقيه في ثلاثة أشياء الصيام والقيام وتلاوة القرءان إلا مايذكر عن رجال رسالة القشيري فلا تراه أبدا إلا صائما ويقرأ عشرين حزبا في ساعة قراءة معتدلة - إلى أن قال - أول ما لقيناه عام ثلاثة وتسعين وله سبع وسبعون سنة وقرأنا عليه جميع صحيح البخاري بقراءة شيخنا قاضي الجماعة أبي مهدي المذكور وحضر هذه الختمة جميع أعلام تونس وعلماؤها وطلبتها صغارا وكبارا وكانت من الغرائب قراءة عالم على عالم وهما عالما وقتهما وذلك في رمضان أول عام من هذا القرن وسبب القراءة ما أصاب أمير المؤمنين حجة الله على السلاطين أبافارس بجبل أوراس فأمر بقراءته لأنه ترياق الشدائد فقرئ كذلك ثم أجازا كل من حضر أبومهدي بقراءته والشيخ الإمام بالقراءة عليه
وقال تلميذه الإمام الأبي شارح صحيح مسلم كان شيخنا من حسن الصورة والكمال على ماهو معروف وكان شديد الخوف من أمر الخاتمة يطلب كثيرا الدعاء له بالموت على الإسلام ممن يعتقد فيه خيرا أعطاني يوما شيئا مما يتصرف به الأولاد وقال أعطه للولد الذي عندك وكان ولدا سباعيا - أي ابن سبع سنين - وقل له يدعو لي بالموت على الإسلام رجاء قبول دعاء الصغير فلحقتني منه عبرة وشفقة
ولما قال ابن عرفة
إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة ** وتقرير إيضاح لمشكل صورة
وعزو غريب النقل أوفتح مقفل ** أواشكال ابدته نتيجة فكرة
فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد ** ولا تتركن فالترك أقبح خلة
قال الأبي مجيبا له
يمينا بمن أولاك أرفع رتبة ** وزان بك الدنيا بأحسن زينة
لمجلسك الأعلى كفيل بكلها ** على حين ماعنها المجالس ولت
فأبقاك من رقاك للخلق رحمة ** وللدين سيفا قاطعا كل بدعة
ثم قال الأبي وإني لبار في قسمي هذا فلقد كنت أقيد من زوائد إلقائه وفوائد إبدائه الخمس التي تقرأ في مجلسه من تفسير وحديث وثلاثة في التهذيب نحو الورقتين كل يوم مما ليس في الكتب قدس الله روحه فقد كان الغاية وشاهد ذلك تآليفه وناهيك مختصره الفقهي الذي ماوضع في الإسلام مثله لضبطه المذهب مسائل وأقوالا مع زوائد مكملة والتنبيه على مواضع مشكلة وتعريف الحقائق الشرعية وقال يوما لولا خوف الحاجة في الكبر مابت وعندي عشرة دنانير ثم حبس ءاخر عمره قبل موته من الربع مايفرق من أكريته ءاخر كل شهر نحو اثنين وعشرين دينارا
وقال الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر شيخ الإسلام بالمغرب سمع من ابن عبد السلام وابن سلامة وابن برلال واشتغل وتمهر في الفنون وأتقن المعقول حتى صار المرجع في الفنون إليه ببلاد المغرب معظما عند السلطان فمن دونه مع دين متين وصلاح له تصانيف منها المبسوط في المذهب سبعة أسفار - إلى أن قال - ونظم قراءة يعقوب أجاز لي وكتب لي خطه لما حج بعد التسعين وعلق عنه بعض أصحابنا كلاما في التفسير في مجلدين كثير الفوائد كان يلتقطه في حال قراءتهم عليه ويدونه أولا فأولا وكلامه دال على توسع في الفنون وإتقان وتحقيق

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق