الخميس، 22 أكتوبر 2009

علماء من تونس عبد الله بن أبي زيد القيرواني

نسبه وولادته :

عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمان النفزاوي أو النفزي القيرواني القيرواني أبو محمد "النفزاوي نسبة إلى نفزة قرية في الشمال الغربي من القطر التونسي " و "نفزاوة من بلاد الجريد في الجنوب الغربي " فهو من صميم الشعب الإفريقي البربري . وأجمع مؤرخوه أن مكان ولادته مدينة القيروان وكانت ولادته على الأرجح سنة 310 هـ / 922م .

الإطار السياسي والديني :

ولد الشيخ ابن أبي زيد القيرواني بعد أربعة عشر سنة من قيام الدولة العبيدية الشيعية سنة 297 هـ / 909م , التي أطاحت بالدولة الأغلبية السنية , وحلت محلها في الهيمنة على بلدان الشمال الإفريقي . وما بين ولادة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني سنة 310 هـ / 922م ووفاته 386 هـ / 996م , يكون قد عاصر خلفاء الدولة العبيدية حتى سنة تغيير عاصمتهم ومركز حكمهم من المهدية إلى القاهرة سنة 362 هـ / 972م , ثم عاصر الأمراء الصنهاجيين من بني زيري الذين خلّفهم العبيديون على ملك إفريقية نيابة عنهم .

ولا شكّ أنّ الاختلاف الجوهري القائم – في مجال العقائد – بين الشيعة الإسماعيلية من جهة , وأهل السنة الذين يتزعمهم فقهاء المالكية والخوارج من جهة أخرى كان هذا سببا كافيا ً لأن تحول منطقة الشمال الإفريقي مسرحا للصراعات الدامية . فكان الشيعة العبيدية في هذا الصراع يمثلون الطرف المهاجم الذي يسعى إلى بسط سيطرته ونشر معتقده وحمل الطرف المقابل على التحول عن مبادئه وعقائده , تارة بالقوة والإرهاب والقتل , وتارة بالمال والمناصب , وكان أهل السنة وكذلك الخوارج يمثلون الطرف المقاوم , وإن اختلفت مظاهر المقاومة بين هذين الفريقين.

لم يكن المذهب العبيدي هو وحده الذي عاصره الشيخ ابن أبي زيد القيرواني , واطّلع على معتقداته وآرائه , وشهد صراع أهل السّنة العلمي والقتالي معه , بل كانت الساحة الإفريقية في المجال العقائدي والفكري تتنازعها تيارات مختلفة , فقد كان للمذهبين الإرجائي والاعتزالي حضور بالقيروان , توفّر لهما بتشجيع الأمويين للمرجئة , والعباسيين من بعدهم ممثّلين في الأغالبة للمعتزلة . لكن وإن تم القضاء علي الإرجاء كمذهب قائم في عهد الأغالبة , وتم انحسار الاعتزال بعد سقوط الدولة الأغلبية بسبب تحوّلهم وانتمائهم إلى المذهب العبيدي , إلاّ أن آراء المذهبين ظلّت حاضرة متناقلة , إمّا عن طريق بقياهم أو عن طريق علماء أهل السنة الممثلين بعلماء المذهب المالكي الذين كانوا يعرضون لآراء مخالفيهم في سياق الردّ عليهم ونقض معتقداتهم , بحيث تمكّن الشيخ ابن أبي زيد القيرواني من الإطّلاع عليها .

ومع المذاهب العبيدي الشيعي والإرجائي , الإعتزالي , فقد كان المذهب الخارجي , الصفري و الأباضي , حاضرًا أيضا في إفريقية .

نشأته وطلبه للعلم :

في هذا الإطار السياسي المتمخض عن الصراع المذهبي بين الفرق الدينية وخاصة بين أهل السنّة الذين يمثلهم المالكية الذين يمثلون غالبية مسلمي الشمال الإفريقي , و بين التيارات المتعددة التي واجهوها وعارضوا مبادئها ومعتقداتها كالمعتزلة والخوارج والصفرية والأباضية , والشيعة وخاصة الإسماعيلية , نشأ الشيخ ابن أبي زيد القيرواني تلقي تعليمه الديني على خوف من اضطهاد الدولة العبيدية المتربّصين بكل من ينشر من المالكية علوم أهل السّنة , وبكلّ من يلتقي هذه الدروس . وقد استطاع هذا الطالب أن يشقّ طريقه في طلب العلم , وأن يصل إلي الأخذ عن أبرز من يمثل المذهب المالكي بالقيروان , رغم الحصار المضروب عليهم .

شيوخه :

- الشيخ أبو بكر محمد بن محمد بن وشاح ,المعروف بابن اللبّاد القيرواني .

- أبو العرب محمد بن أحمد بن تميم القيرواني .

- أبو الفضل العباس بن عيسى الممسي , استشهد سنة 333 هـ بالمهدية في قتال العبيديين .

- أبو سليمان ربيع بن عطاء الله بن نوفل القطان , استشهد سنة 333 هـ بالمهدية في قتال العبيديين .

- أبو عبد الله محمد بن مسرور العسال توفي سنة 346 هـ .

- أبو العباس عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق الإبياني , توفي

سنة 352 هـ .

- أبو عثمان بن أحمد الخولاني , توفي بالمنستير سنة 324 هـ .

- أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد السبائي توفي سنة 356 هـ .

- أبو ميمونة درّاس بن إسماعيل الجروي المغربي الفاسي توفي سنة 357 هـ .

- أبو محمد عبد الله الأصيلي الأندلسي توفي سنة 392 هـ .

وغيرهم .

شيوخه في رحلة الحج :

- أبي سعيد بن الأعرابي .

- إبراهيم بن محمد بن المنذر .

- أبي علي بن أبي هلال .

- أحمد بن إبراهيم بن حماد القاضي .

- الحسن بن بدر .

- محمد بن الفتح .

- الحسن بن نصر السوسي .

- عثمان بن سعيد الغرابلي .

- حبيب بن أبي حبيب الجزري .

وغيرهم .

منزلته العلمية :

لقد بلغ الشيخ ابن أبي زيد القيرواني بعد تحصيله العلم منزلة رفيعة بين علماء عصره , وشهد له بذلك شيوخه قبل أن يشهد له تلاميذه والمؤرخون له .

فقد بلغ من ثقة علماء عصره بعلمه ومعرفتهم بمنزلته , أن مال بعض شيوخه إلى تقليده في آرائه , قال حافظ المغرب الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله القطان " ما قلّدت أبا محمد ابن أبي زيد , حتى رأيت السبائي يقلّده " و السبائي هذا أحد شيوخه .

ومن ذلك أنه بعد ما كان هو الطالب لإجازة العلماء ببغداد , أصبح هو المطلوب من هؤلاء العلماء أن يجيزهم بكتبه , لما سمعوا عنها وعرفوا قيمتها , فقد أرسل أبو عبد الله محمد بن مجاهد رسالة إلى الشيخ ابن أبي زيد يشيد له فيها بكتابيه " المختصر" و " النوادر" ويشكره عليهما , ويطلب منه أن يتفضّل بإنفاذهما بعد عرضهما بحضرته , وإجازتهما له ولغيره من علماء بغداد , فجاوبه الشيخ بأنّه سوف يوجّه إليه وللشيخ الأبهري إمام المالكية ببغداد بالكتابين المذكورين .

وفي ذكر قيمته العلمية قال عنه أبو الحسن القابسي : " إمام مؤيّد موثوق به في درايته وروايته " وذكره أبو بكر بن الطيب الباقلاني في كتابه , فعظّم قدره وأضفى عليه لقب "الشيخ" . ولخص القاضي عياض شهادة العلماء فيه بقوله : " كان أبو محمد إمام المالكية في وقته ,وقدوتهم , وجامع مذهب مالك , وشارح أقواله . وكان واسع العلم , وكثير الحفظ والرواية , كتبه يشهد له بذلك ,...., وحاز رئاسة الدين والدنيا , وإليه كانت الرحلة من الأقطار . وهو الذي لخّص المذهب وضمّ نشره والذبّ عنه " – ترتيب المدارك 6/216 - .

موقفه من العبيديين :

كانت مواقف علماء القيروان من العبيديين قد اتخذت أشكالاً أربعة : المقاطعة وعدم المخالطة لجال الدولة الجديدة ولكل من يتصل بهم , وتكفيرهم والمجاهرة بمعاداتهم , والمناظرة والمواجهة العلمية , وإعلان الجهاد ووجوب مقاتلتهم .

لم يشذّ موقف الشيخ ابن أبي زيد القيرواني من الدعوة العبيدية الشيعية , عن موقف مشائخه وعلماء بلده , في المسارات التي اتخذوها لمواجهتها , والأخبار المنقولة عنه تدلّنا أنه كان ضالعاً فيها , فقد جعل من داره مركزًا لاجتماع علماء المالكية لتدريس أمر العبيديين وطرق مجابهتهم واختيار المناظرين لهم . ومن ذلك ما روي أنّ والي العبيديين على القيروان شدّد في طلب أهل العلم ليدخلهم في الدعوة , فطلب أبا سعيد بن أخي هشام , وأبا محمد بن التبان , وأبا القاسم بن شبلون , وأبا محمد بن أبي زيد , وأبا الحسين القابسي ,فاجتمعوا بدار أبي محمد بن أبي زيد , واتفقوا على السير إليه , فقال لهم ابن التبان : " أنا أمضي إليه وأكفيكم مؤونة الاجتماع به , ويكون كلّ واحد في داره , وأبيع روحي من الله دونكم , لأنكم إن أتي عليكم وقع على الإسلام وهن " . ولمّا دخل على الوالي قال له : " جئتك من قوم إيمانهم مثل الجبال , أقلّهم يقيناً أنا " . – ترتيب المدارك 6/252 - .

وقد شارك في جهاد العبيديين في الحملة التي قادها ضدّهم شيوخه فقهاء القيروان بالمهدية سنة 333 هـ , وكان عمره في هذه الواقعة ثلاثة وعشرين سنة .ولا شكّ فإنّ مثل نفس الشيخ ابن أبي زيد الطامحة للعلي بخدمة دينها , يكون صاحبها قد وظّف ماله أيضاً في تجهيز الجيش.

مؤلفاته :

في العقيدة :

- المقدمة العقائدية التي افتتح بها كتاب " الرسالة " الفقهية .

- المقدمة العقائدية التي افتتح بها كتاب " كتاب الجامع " من مختصر المدونة.

- كتاب المعرفة واليقين .

- كتاب المضمون من الرزق .

- كتاب البيان في إعجاز القرآن .

- كتاب الرّد على ابن مسرّة المارق .

- رسالة في الرد على القدرية .

- إثبات كرامات الأولياء .

- رسالة في أصول التوحيد .

في الفقه وأصوله :

- الرسالة الفقهية .

- النوادر والزيادات .

- مختصر المدوّنة .

- تهذيب العتبية .

- كتاب الأمر و الاقتداء .

- كتاب الذبّ عن مذهب مالك .

- كتاب التنبيه على القول في أولاد المرتدين ومسألة الحبس على أولاد الأعين .

- كتاب تفسير أوقات الصلوات .

- كتاب المناسك .

- كتاب ردّ المسائل .

- كتاب ردّ الخاطر من الوسواس .

- رسالة إعطاء القرابة من الزكاة .

- كتاب النكاح بغير بيّنة .

- كتاب فضل قيام رمضان .

- التبويب المستخرج .

في الأخلاق والسلوك والآداب :

- رسالة فيمن تأخذه عند قراءة القرآن والذكر حركة .

- كتاب حماية عرض المؤمن .

- رسالة النهي عن الجدال .

- رسالة الموعظة والنصيحة , وهي موجهة للقائد محمد بن الطاهر .

- رسالة طالب العلم .

- رسالة الموعظة الحسنة لأهل الصدق .

- رسالة إلى أهل سجلماسة في تلاوة القرآن .

في السيرة والتاريخ :

- الباب الذي تضمّنه كتاب الجامع من مختصر المدونة , وعنوانه : " باب في مبعث النبي صلّي الله عليه وسلّم وأيامه وعمره ونسبه وصفته و ذكر بنيه وبناته وزوجاته وذكر العشرة من أصحابه وأنسابهم وأعمارهم وشيء من التاريخ " .

- حكايات عن سعيد بن الحداد .

في الأدب :

- قصيدة في البعث .

- قصيدة في مدح الرسول صلّي الله عليه وسلّم , أو في شرف المصطفى .

- قصائد متنوعة المضامين , ومنها ما هو في رثاء شيوخه .

وفاته :

بعد حياة مليئة بالجهاد العلمي والفكري والمالي والدعوي والقتالي , وبعد حياة معطّرة بنفحات التقوى والورع والصلاح , دامت ستة وسبعين عاماً , توفي الشيخ ابن أبي زيد القيرواني على الصحيح في الثلاثين من شعبان سنة 386 هـ / 14 سبتمبر 996 م . وصلّى عليه في اليوم الموالي لوفاته رفيقه أبو الحسن القابسي بالريحانة ,في جمع غفير , ودفن بداره بالقيروان . رحمه الله تعالى .

من كتاب تحرير المقالة في شرح الرسالة للشيخ ابن أبي زيد القيرواني .

تأليف الشيخ القاضي أحمد القلشاني .

دراسة وتحقيق الأستاذ الحبيب بن طاهر و الأستاذ محمد المدنيني .

بتصرف .

السبت، 10 أكتوبر 2009

علماء من تونس الشيخ محمد السنوسي


المولد والنشأة :

في بيت من بيوت العلم العريقة ولد محمد السنوسي في تونس في (22 من ذي القعدة 1276هـ = 18 من سبتمبر 1851م)، وتعهدته أسرته بالتربية والتهذيب، ثم التحق بجامع الزيتونة حيث تتلمذ على عدد من أعلامه مثل: أحمد بن الخوجة، وعلي بن أبي القاسم العفيف، ومحمد بيرم الخامس، ومحمد الطاهر النيفر.

ولزم محمد السنوسي شيخين جليلين كان لهما أكبر الأثر في حياته، وتفكيره هما: الشيخ محمود قابادور، والشيخ سالم بوحاجب، وعن طريقهما تعرف إلى رجال الإصلاح من الضباط ورجال الإدارة في الحكم، وفي مقدمتهم خير الدين التونسي والجنرال حسين. وبعد أن صار محمد السنوسي من أنجب خريجي جامع الزيتونة جلس للتدريس به سنة (1287هـ = 1870م).

في خضم ميادين الإصلاح :

ولما ذاع صيته عينه المشير الثالث "محمد الصادق" باي تونس معلما للأمير محمد الناصر باي، فاتبع معه أسلوبا جديا في التعليم يجمع بين السنن القديمة والموروثة والمتطلبات الحديثة في التربية، ثم اختاره محمد بيرم الخامس ليعاونه في بعض المهام الكبيرة في أثناء تولية خير الدين التونسي الوزارة الكبرى، فعينه في سنة (1291هـ – 1478م) كاتبًا أول لمجلس جمعية الأوقاف التي كان يتولى رئاستها، وأضاف إليه تحرير جريدة الرائد التونسي في سنة (1293هـ = 1876م) وفي هذين العملين أعان رئيسه على تنظيم إدارة الأوقاف وكتابة افتتاحيات الجريدة، والإشراف على طبع الكتب بالمطبعة الرسمية.

وظل محمد السنوسي يعمل في هاتين المؤسستين حتى بعد استقالة خير الدين التونسي من الوزارة، حتى إذا احتلت فرنسا البلاد التونسية سنة (1298 هـ = 1881م) فُصل السنوسي عن تحرير جريدة الرائد، وبقي في منصبه في جمعية الأوقاف التي بدأت تعبث بها الأهواء وتدخُّل الحماية الفرنسية، فلم يطق ذلك وقرر مغادرة البلاد.

الرحلة الحجازية :

استطاع محمد السنوسي أن يحصل على إذن بالسفر للحج بعد لأي وتعب، فسافر إلى إيطاليا في (رجب 1291 هـ = مايو 1882م) والتحق بالجنرال حسين وكان من محبي الإصلاح ورافقه في زيارة عدة مدن إيطاليا، ثم اتجه إلى إستانبول، والتقى هناك بخير الدين التونسي الذي كان قد استدعاه السلطان عبد الحميد ليتولى الصدارة العظمى، وأقام عند محمد بيرم الخامس الذي غادر تونس بعد الاحتلال الفرنسي، ولم تطل مدة إقامة السنوسي في عاصمة الخلافة، فقصد الحجاز في (ذي القعدة 1299هـ = سبتمبر 1882م) وأدى فريضة الحج، واجتمع بعدد من العلماء هناك، ثم سافر إلى دمشق والتقى بالأمير عبد القادر الجزائري قائد حركة المقاومة والجهاد ضد فرنسا في الجزائر، (26 من ربيع الأول 1300هـ = 5 فبراير 1883م) وقد سجل السنوسي هذه الرحلة في كتابه "الرحلة الحجازية" ودوَّن فيها مشاهداته، وما رآه في إيطاليا، من علوم ومخترعات، وتعرض لطرح بعض المسائل الفقهية والأخلاقية كالتي تتعلق بالإجهاض والتمثيليات المسرحية ومسابقات الخيل والرماية، وطعام أهل الكتاب، وأجرى مقارنات بين العالم العربي الإسلامي والعالم الغربي المسيحي، وضمَّن كتابه التعريف بخمسة وعشرين رجلاً من أعلام الأدب والفقه والسياسة والحرب الذين التقى بهم في رحلته.

العودة إلى تونس :

وبعد عودته إلى تونس استأنف محمد السنوسي نشاطه في جمعية الأوقاف، وانخرط في عمله مع أهل الرأي والفكر الذين قُيدت حركاتهم بعد انتصاب الحماية الفرنسية التي رسخت أقدامها في البلاد، وكان السنوسي يطالع باهتمام مجلة العروة الوثقى التي كان يصدرها في باريس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وكان هناك مراسلات بين السنوسي ومحمد عبده.

ويبدو أن السنوسي كان من مؤسسي الفرع التونسي للجمعية السرية الإسلامية التي كانت تسمى جمعية العروة الوثقى، وقد زاره محمد عبده في تونس في (19ممن صفر 1302هـ – 6 من ديسمبر 1884م) واستُقبل هناك استقبالاً حسنا من قبل الحكومة وكبار رجالها وعلمائها، وأقيم له عدد من الاحتفالات احتفاءً به، وكانت إقامته مناسبة لمحادثات ومناقشات في كثير من أمور الدين والحياة والتطلع إلى النهوض والتقدم بدأت مقصورة على الأندية الخاصة، ثم امتد صداها ليشمل طوائف كثيرة من الشعب

النازلة التونسية :

اشتعلت في تونس في (16 من جمادى الأولى 1302هـ = 3 من مارس 1885م) حركة احتجاج على السلطة الفرنسية، أثارها عدد من الإجراءات اتخذتها قوات الاحتلال، استهدفت تغيير في نظم الحياة في العاصمة التونسية، وفرضت على الناس ضرائب جديدة، وقد استمرت هذه الحركة شهرًا كاملا، تعددت في أثنائها الاجتماعات التي عقدت في جامع الزيتونة المعمور وفي غيره، وانتظمت المظاهرات أمام قصر الباي حاكم تونس، وكُتبت العرائض.

ونجحت قوات الاحتلال في السيطرة على الموقف واتخاذ إجراءات قمعية، كان من بينها عزل السنوسي عن وظيفته لمشاركته في هذه الحركة الاحتجاجية، والإبعاد إلى مدينة "قابس". ولم تطل مدة نفيه أكثر من ثلاثة أشهر عاد بعدها إلى العاصمة بعد صدور عفو من الباي. وقد سجل محمد السنوسي أحداث هذه الحركة في كتابه "خلاصة النازلة التونسية" الذي ألفه سنة (1302هـ = 1885م) . لكنه لم ير النور إلا في سنة (1397هـ = 1976م) حين نشره محمد الصادق بسيّس في تونس.

ما بعد النفي :

عين السنوسي بعد رجوعه من منفاه سنة (1303هـ=1886م) كاتبًا للمجلس العقاري المختلط، وحاول أن يخدم وطنه في ظل الاحتلال بعدما شاهد من اضطراب الصفوف وخور العزائم في أثناء الحركة الاحتجاجية، ثم انتقل إلى العمل في عدة مناصب قضائية. واشترك في تأسيس جريدة "الحاضرة" إلى جانب جريدة الرائد، ثم سافر إلى فرنسا في سنة (1306هـ=1889م) لزيارة المعرض الدولي في باريس. وقد وصف السنوسي رحلته هذه في كتابه "الاستطلاعات الباريسية في معرض سنة 1889م" دون فيه إعجابه بالحضارة العصرية الجديدة، وعقد مقارنات بين الحالة التي كانت عليها ديار الإسلام من تخلف وفقر وما عليه أهل الغرب من تقدم وازدهار، وأسباب ذلك، وسجل ما شاهده في فرنسا من نظم الحكم ومؤسسات التعليم والثقافة، وكان كلما تعرض لشيء مما شاهده وأعجب به، ذكّر قارئه بمثيله مما كان عند المسلمين في أوج حضارتهم، فحين وصف المكتبة العامة بباريس، أشار إلى ما كان عليه بعض خلفاء المسلمين من شغف في جمع الكتب مثل المأمون في بغداد والحكم الأموي في قرطبة، وحين ذكر عناية الدولة في فرنسا بالتعليم وكثرة المدارس وبخاصة العليا، أشار إلى عناية الإسلام بنشر المعارف والعلوم وطلب تعلمها. وبعد عودته من باريس تعرض لسخط الحماية الفرنسية عليه بسبب مواقفه الوطنية.

مؤلفاته وإنتاجه الفكري :

أما آثار محمد السنوسي فهي متنوعة شملت الأدب والقانون والتاريخ والدين، فلم تشغله أعباؤه عن مواصلة الكتابة والتأليف، وتضم مؤلفاته:

1 - مجمع الدواوين التونسية، استوعب فيه شعر نحو خمسين شاعرًا من فحول الشعراء بتونس. وطبع من الكتاب جزءان، وتضم دار الكتب الوطنية بتونس ثلاثة أجزاء لا تزال مخطوطة.

2 - تفتق الأكمام، وهي رسالة في المرأة يوضح فيها ما للمرأة المسلمة من حقوق وواجبات، ولا توجد إلا مترجمة بالفرنسية نقلها من العربية محيي الدين السنوسي ابن المؤلف.

3 - والروض الزاهر في إسناد الحبس للإسلام الزاهر، ويقصد بالحبس الأوقاف، تحدث في هذا الكتاب عن دور الأوقاف في البلاد التونسية، مبرزًا ما لها من مزايا في مكافحة الفقر من جهة ونشر العلم والعناية بأهله من جهة أخرى.

4 - مسامرات الظريف بحسن التعريف. ويقع في ثلاثة أجزاء، يتعرض فيه لتاريخ فقهاء الدولة الحسينية بتونس، من فقهاء وقضاة.

5 - الأجنة الدانية الاقتطاف بمفاخر سلسلة السادة الأشراف، وهي قصيدة في المدح تشتمل على 251 بيتًا نظمها محمد السنوسي في سلسلة الأشراف بتونس.

6 - تحفة الأخيار بمولد المختار، وهو مؤلف مفقود.

7 - النبذة التاريخية في منشأ وزارة مصطفى بن إسماعيل.

وقد استخدم السنوسي في تأليفاته المتنوعة مصدرين رئيسيين، هما: ثقافته في المنقول والمعقول مستعينًا بكتب الفقهاء، وثقافة أخرى حصل عليها من مطالعته للصحف العربية والمجلات المصرية التي كانت تصل تونس، وتأثر بها عدد غير قليل من قادة الحركة الفكرية في تونس.

ومحمد السنوسي يمكن عده من رجال الإصلاح في العالم العربي، وإن لم يقم بدور بارز مثل ما فعله خير الدين التونسي أو الأفغاني أو محمد عبده، ولا يمكن إغفال تأثيره باعتباره داعية ماهرًا، أذاع تصورات عصره المتعلقة بيقظة الإسلام، وساعد على تنبيه المسلمين، وإيقاظهم من غفلتهم، والسعي إلى التحرر من الهيمنة الغربية، واعتمد في نشر أفكاره على المقالات التي كانت تنشرها له جريدة الرائد، مستندًا إلى الدقة في العرض، والمنطق في الإقناع.

وفاته :

ثم تعرض الشيخ محمد السنوسي لمرض عضال لم يشف منه حتى وافته المنية في (24 من رجب 1318هـ = 17 من نوفمبر1900م) رحم الله شيخنا رحمتا واسعتا ,أسكنه فراديس جنته .

من مصادر الدراسة:

- محمد الصادق بسيس: محمد السنوسي حياته وآثاره – تونس – 1976م.

- أحمد عبد السلام: المؤرخون التونسيون – بيت الحكمة – قرطاج – تونس – 1993م.

- أنور الجندي: الفكر والثقافة في شمال إفريقيا – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة – 1385هـ = 1965م.

- محمد الطالبي وآخرون: دائرة المعارف التونسية – بيت الحكمة – قرطاج – تونس – 1992م.

علماء من تونس الشيخ محمد الصادق بسيّس

الشيخ محمد الصادق بسيّس الشهير بالشيخ بسيّس الفلسطيني

المولد والنشأة :

استقبلت تونس العاصمة مولد الشيخ محمد الصادق بن محمود بن محمد بسيس في (15 من ذي الحجة 1332هـ = 2 من نوفمبر 1914م)، ونشأ في أسرة شريفة الأصل كريمة العرق، عنيت بولدها، فحفظ القرآن في سن مبكرة، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم تلقى تعليمه بجامع الزيتونة، والمدرسة الخلدونية، وواصل تعليمه حتى نال شهادة العالمية من جامع الزيتونة.

وفي أثناء دراسته بالزيتونة انضم إلى الحزب الحر الدستوري الذي كان يطالب بالجهاد، وعرف بنشاطه الوافر في الحزب، وإلقاء الخطب النارية في المجتمعات، فألقي القبض عليه وأدخل السجن وهو لم يتجاوز العشرين من عمره.

الشيخ الفلسطيني :

ولم ينسَ المجاهدون في تونس قضية فلسطين رغم انشغالهم بقضيتهم الوطنية وسعيهم إلى التحرر، فكانوا يبصرون الناس بخطورة اليهود في فلسطين، وخططهم الماكرة لإقامة كيان لهم على أرضها، وكانت الخطابة وسيلتهم للاتصال بالناس، ونظم زعماء الجهاد برنامجًا لهذا الغرض في المدن والقرى لتعريف الناس بالقضية الفلسطينية وتفنيد دعاوى اليهود، وكان محمد الصادق واحدًا من الخطباء الذين اختيروا لهذا العرض، فتحرك في القرى والمدن خطيبًا ثائرًا مدافعًا عن قضية فلسطين، وبلغ من عنايته بها أن لُقب بالشيخ الفلسطيني، ولما كثر تخلفه عن حضور دروسه في الزيتونة لانهماكه في هذه القضية استدعاه شيخ الجامع "الطاهر بن عاشور"، ولامه على تغيبه عن دروسه وإخلاله بواجبه في طلب العلم، وبين له أن ما يقوم به من عمل ليس مبررًا لأن يهمل دروسه أو يتغيب عنها.

بين التدريس والصحافة :

وبعد تخرجه في الزيتونة تنازعته ميادين كثيرة للعمل في تونس، فعمل بالتدريس في الزيتونة، والكتابة في الصحف، وإلقاء المحاضرات، وتأليف الكتب، ساعده على ذلك ثقافة عربية وإسلامية واسعة، وإلمام بالتاريخ التونسي، ومعرفة وتتبع مجهود المصلحين في العالم الإسلامي، وقلم مشرق الأسلوب، ولسان بليغ.. كل ذلك ساعده على نقل أفكاره إلى الناس في سهولة ويسر.

واشتهر "محمد الصادق" بحبه للسنة النبوية وتبحره فيها واطلاعه الواسع على دواوينها، وبمعرفته الواسعة برجال الحديث وأحوالهم ومواقفهم، فكان يرويها في دروسه ومجالسه، ويستنبط منها الأحكام ويفسر ما فيها من غريب اللغة. وجمع إلى جانب القراءة والمطالعة في كتب السنة الرغبة في الحصول على الإجازات من المحدثين على الطريقة المعروفة في الرواية، ففي إحدى زيارات عبد الحي الكتابي وهو من نوابغ المحدثين في المغرب والعالم الإسلامي، اجتمع به محمد الصادق، فأجازه بجميع مروياته بخطه.

واشتغل بالصحافة منذ عهد مبكر، حيث كتب فيها منذ سنة (1349هـ = 1930م)، وعالج في كتاباته الشئون الاجتماعية والثقافية، والترجمة لأعلام تونس وغيرهم من رجال الفكر والإصلاح، وخاض معارك فكرية مع بعض المخالفين لنهج الإسلام الذين يحاولون تشكيك الناس في ثقافتهم وتسميم عقولهم بمناهج وافدة، وكان نزيهًا في خصومته لا يميل إلى الإسفاف والتجريح.

وكان معجبًا بتفكير الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا ومتأثرًا بهما وبمنهجهما في الإصلاح، فعرض لهما فيما يكتب في الصحافة، معرفًا الناس بجهودهما وأثرهما في النهضة، وكانت للشيخ أحاديث إذاعية في تبسيط تفسير القرآن بما لا يعلو عن أذهان الجمهور، ويقبله المثقفون وأهل العلم، وفي تقديم الآداب والقيم الإسلامية.

مؤلفاته :

شارك محمد الصادق بالتأليف في موضوعات مختلفة تشمل الأبحاث الفقهية والدفاع عن السنة والتصوف والترجمة لبعض الأعلام في المشرق والمغرب، ولم يعقه كثيرًا انشغاله بالتدريس والعمل في الصحافة عن مواصلة التأليف .

ومن الكتب التي ألفها:

- محمد السنوسي، حياته وآثاره (وهذا العلم من الرعيل الأول الذي سافر إلى المشرق، واتصل بجمعية العروة الوثقى التي أنشأها جمال الدين في كلكتا، وصار من أعضائها، فلما رجع إلى تونس نشر أفكارها هناك، والشيخ السنوسي هو أول من أنشأ جريدة في المغرب العربي باسم الرائد التونسي، وكانت لتوجيه الأمة والنهوض بها).

- التصوف في العصر الحفصي.

- شكيب أرسلان وصلاته بالمغرب العربي، وكانت لمحمد الصادق صلات بالمراسلة منذ أن كان طالبًا مع أمير البيان العربي شكيب أرسلان؛ لإعجابه الشديد بجهاده السياسي، وجهوده الصادقة في خدمة قضايا العروبة والإسلام.

- خطة الحسبة في تونس.

- الرعاية الصحية في الإسلام.

- دفاعًا عن السنة النبوية.

- مكانة الاجتهاد في الإسلام.

- نظرة في حياة الإمام الرازي وآثاره.

وإلى جانب ذلك حقق كتاب "خلاصة النازلة التونسية" للشيخ محمد السنوسي، وصدره بمقدمة نفيسة.

وفاته :

قضى الشيخ حياته كلها باحثًا وكاتبًا وخطيبًا، لا يترك فرصة للتعلم إلا انتهزها، فحين ذهب إلى فرنسا للعلاج من كسر أصابه، وطالت فترة إقامته هناك، استغل هذا الوقت في تعلم اللغة الفرنسية حتى أتقنها، وجمع إلى جانب الثقافة الواسعة حسن الأخلاق والبعد عن الشبهات ومواطن الإسفاف، والتنزه عن المغالاة في الخصومة مع مخالفيه في الرأي، وإن كانوا ممن يعادون النهج الإسلامي.

وظل الشيخ موفور النشاط عالي الهمة حتى لقي الله في يوم الخميس الموافق (10 من ذي القعدة 1398هـ = 12 من أكتوبر 1978م).

من مصادر الدراسة:

- أنور الجندي – الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة – 1385هـ = 1965م

- محمد محفوظ -تراجم المؤلفين التونسيين – دار الغرب الإسلامي – بيروت – 1982م.

- محمد خير رمضان يوسف – تتمة الأعلام – دار ابن حزم – بيروت – 1418هـ = 1998م.

- محمد بوذينة – مشاهير التونسيين – دار سيراس – تونس – 1412هـ.

من مقال لأحمد تمام – بتصرف -

الخميس، 8 أكتوبر 2009

علماء من تونس الشيخ محمود قابادو

المولد والنشأة والتكوين :



ولد الشيخ محمود بن محمد قابادو في تونس سنة (1230هـ=1815م)، ونشأ في أسرة أندلسية الأصل لجأت إلى تونس في بداية العهد العثماني في أوائل القرن السابع عشر الميلادي، ثم نزح والده إلى العاصمة تونس حيث كان يعمل في صناعة الأسلحة.

تلقى محمود قابادو تعليمه الأول مثل غيره من الأطفال في أحد كتاتيب الحي الذي كان يسكن فيه، حيث حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة. ولفت قابادو الأنظار إليه وهو في هذه السن المبكرة بحافظته القوية وذكائه الوقاد. فهم من الكتاب مبادئ النحو والصرف وهو ما يزال صبيا لم يتجاوز الحلم، وفي سن المراهقة توقف عن مواصلة الدراسة وانشغل بقراءة كتب المتصوفة، وأخذ نفسه بطريقة المجاهدة والسياحة والخلوة، ولم يكن له شيخ يوجهه أو يصوب خطأه أو يرشد من غلوائه، فراح يمشي في أسواق العاصمة حافي القدمين، مكشوف الرأس يعترض طريق المارة واعظا ومرشدا أو مهللا ومكبرا.

وساقته قدماه وهو في سياحته الصوفية إلى مصراتة في ليبيا، واتصل هناك بالشيخ محمد ظافر المدني، صاحب الطريقة المدنية أحد فروع الطريقة الشاذلية، واستقر في زاويته مدة طويلة بلغت ثلاث سنوات، كان يختلط خلالها بالطلبة الوافدين على الزاوية من جميع أنحاء شمال إفريقيا، وتلقى معهم الدروس وشاركهم في الأعمال والرياضة والأذكار. وفي هذه المدة استعان قابادو توازنه النفسي وشخصيته المعتدلة التي افتقدها في فترة المراهقة.

ثم عاد الشيخ محمود قابادو إلى تونس سنة (1251هـ/1835م) ، وواصل طلب العلم بجامع الزيتونة وتتلمذ على كبار علماء عصره، من أمثال

- محمد بيرم الثالث المتوفى سنة (1259هـ/1843م)0

- أحمد بن الطاهر اللطيف المتوفى سنة (1273هـ/1857م).

- محمد بن صالح بن ملوكة المتوفى سنة (1276هـ/ 186م). وغيرهم.



علم وتعلم بإستانبول :



لم تطل مدة إقامة قابادو بتونس بعد عودته من ليبيا، بل تاقت نفسه على السفر وطلب العلم، ولم تقعد به همته أن يكتفي بما حصل عليه من علم، بل رغب في المزيد، فعقد العزم على السفر إلى إستانبول عاصمة الدولة العثمانية ومقر الخلافة، فرحل إليها في سنة (1254 هـ= 1838م) وكان عمره آنذاك أربعة وعشرين عاما.

اشتغل قابادو في العاصمة العثمانية بالعلم والتعليم معا، فهو يواظب على حضور مجالس العلماء، وفي الوقت نفسه يقرأ كتب التفسير في بعض مساجد العاصمة شأنه في ذلك شأن المتطوعين في ذلك العهد.

وإلى جانب ذلك كان مواظبا على المطالعة، ونسخ الكتب من مكتبات المدارس والزوايا، وكان له شغف كبير باقتناء المخطوطات النادرة. وطالت إقامة قابادو حتى بلغت نحو أربع سنوات، ثم قرر العودة مرة أخرى إلى الوطن، وكان وراء عودته المؤرخ الكبير أحمد بن أبي الضياف، الذي تكفل له بحمل صناديق كتبه على نفقة الدولة، وكان ابن أبي ضياف في مهمة رسمية لدى الباب العالي كلفه بها حاكم تونس المشير الأول أحمد باشا باي.



في باردو الحربية :



وبعد أربع سنوات من الإقامة في إستانبول عاد الشيخ قابادو إلى تونس سنة (1258هـ=1842م)، وعينه أحمد باشا باي مدرسا بمدرسة بارود الحربية، وهى مدرسة عسكرية أنشئت سنة (1256هـ= 1840م)، وتقوم بتخريج ضباط للجيش التونسي النظامي، وكان برنامج المدرسة يشتمل على تدريس القرآن الكريم وعلوم العربية والفرنسية وعلم الحساب وعلم الجبر والمقابلة، وعلم المساحة وعلم الجغرافيا، وعلم الأماكن، والعلوم العسكرية والصناعات الحربية.

قام الشيخ محمود قابادو في هذه المدرسة بتعليم تلاميذه اللغة العربية وآدابها، وهو يعد أول من تولى التدريس من التونسيين في هذه الأكاديمية العسكرية.

ولما رأى الشيخ محمود قابادو تقدم التلاميذ النابهين في الدراسة، وتمكنهم في الوقت نفسه من إتقان العربية والفرنسية، أخذ يحبب إليهم الترجمة باعتبارها وسيلة لا غنى عنها لمعرفة علوم الغرب المتقدم، ولم يكتف بهذا بل أشرف على بعض هذه الترجمات.

وقد تخرج على يديه عدد من الضباط المشهود لهم بالكفاءة والقدرة، ومنهم: الجنرال حسين الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للمعارف والأشغال العمومية، والجنرال رستم الذي صار وزيرًا للداخلية ثم وزيرًا للحربية، ومحمد بن الحاج عمر وقد تولى إدارة المدرسة الحربية بعد وفاة مديرها دي تافرن.



في ساحة الزيتونة :



ظل الشيخ محمود قابادو مدرسا في مدرسة باردو حتى سنة (1271 هـ= 1855م) وانتقل بعدها إلى جامع الزيتونة، حيث عينه محمد باشا باي مدرسا من الطبقة الأولى بالجامع العريق. وقام قابادو بتدريس كتابي "المطول" و"المختصر" وهما في البلاغة، وكتاب "القطب" في المنطق، وهذه الكتب بالغة التعقيد وتحتاج إلى معلم بصير بأسرار الكتب القديمة قادر على فك طلاسمها حتى يتسنى للطلاب الوقوف على ما في الكتاب من قضايا ومسائل، ولم تكن مثل هذه الكتب تدرس إلا لكبار الطلاب.

وتطوع الشيخ محمود قابادو إلى جانب عمله الرسمي بتدريس التفسير والنحو والصرف وغيرها من العلوم التي كان بارعا فيها.

تجمع الطلاب حول الشيخ محمود قابادو ووجدوا فيه ضآلتهم وتتلمذ على يديه كثيرون نبغ منهم من قامت على أيديهم النهضة الفكرية في تونس، وحسبه أن يكون فيهم الشيخ سالم بوحاجب المتوفى سنة (1342 هـ= 1924م) الذي وصل إلى رتبة شيخ الإسلام وكبير أهل الشورى في أواخر أيامه، والشيخ محمد بيرم الخامس المتوفى سنة (1307 هـ=1900م) أحد دعاة الإصلاح في تونس.

ولم ينقطع الشيخ محمود قابادو عن إلقاء دروسه في جامع الزيتونة حتى بعد توليه منصب القضاء بباردو سنة (1277هـ=1861م)، ثم منصب الإفتاء سنة (1285هـ=1868م).



علم وعدل= نهضة



كان الشيخ محمود قابادو رجلا واسع المعرفة، كثير الاطلاع عميق الثقافة دائب التفكير هيأ له عمله معلما في مدرسة باردو الحربية أن يقف على آفاق رحيبة من الفكر وأن يخالط المعلمين الأجانب وأن يقترب من علوم الغرب؛ الأمر الذي جعله يلمس عوامل نهضة العالم الأوروبي، وفي الوقت نفسه أمدته سياحاته في بعض بلدان العالم الإسلامي بأسباب تدهور المسلمين وتخلف في ركب الحضارة.

ولذلك تركزت أفكاره الإصلاحية حول توجيه أبناء الأمة شطر العلم الذي من شأنه أن يغير الحال ويصلح المفاسد، وينهض بالدولة، وقد فصل مذهبه الإصلاحي في مقدمة كتاب ترجمه أحد تلاميذه تحت إشرافه بعنوان "التعبئة الحربية" للجنرال الفرنسي "جُمنى"، وقال: إن العلوم الحكمية والرياضية التي أصبح علماء الإسلام عنها بمعزل، والتي عرفها هو وعانى في تحصيلها هي مدار التفوق الذي نالته أوروبا، وهذه العلوم كانت مزدهرة متقدمة عند المسلمين وكانوا في الذروة لما كانت هذه العلوم رائجة فيهم، وعزا الشيخ محمود قابادو تخلف المسلمين إلى شيء خارج عن جوهر الدين؛ لأن الإسلام بذاته كفيل بأن يجعل المجتمع القائم على أصوله في حالة من التقدم والرقي التي لا مثيل لها.

وكان يحث المسئولين إلى الأخذ بأسباب التقدم ومحاذاة الدول الأوروبية في نهضتها العلمية والصناعية، فلا عزة للأمة الإسلامية ما لم توفر لنفسها المناعة والرقي، وإنه لا مناعة ولا رقي إلا بانتشار العلم وتطور الصنائع وازدهار العمران، ولا يتحقق ذلك في بلد ما لم تتحقق فيه شرائط العدل.

والعدل عند الشيخ محمود قابادو لا يكون إلا في ظل حكم دستوري قاعدته الشورى، وأساسه رعاية الحقوق العامة، وبدون ذلك يظل صرح الدولة مقوضا وبناؤها ضعيفا، لا يصمد للأعاصير، ويعبث فيه كل سارق وناهب.

والنهضة الإسلامية لا يمكن أن تتحقق للأمة الإسلامية إلا إذا استعادت روح أمجادها التاريخية الرائعة، وأحيت تراثها العلمي.

وقد اجتهد في رد كل فضيلة عرفها الأوروبيون في عصره إلى أجداده المسلمين الذين كانت حياتهم جدية في طلب العلم، ودأب في تحصيله، ومثابرة في تعليمه.

آثاره ووفاته :



كان الشيخ محمود قابادو إلى جانب تمكنه من العلوم العقلية والرياضية والفلكية والشرعية متمكنا في اللغة العربية وآدابها، ومعرفة التاريخ، وفوق ذلك كان شاعرا موهوبا طويل النفس قوي القريحة، غلبت عليه الأغراض الشعرية القديمة ولكنه في الوقت نفسه يعد أول شاعر تونسي يخرج من هذه الأغراض إلى ميدان الحياة العامة.

وقد جمع الشيخ محمد السنوسي ديوان الشيخ محمود قابادو ونشره بعد وفاته في جزأين سنة (1294-1295هـ= 1877-1878م)، ثم نشرت آثار الشيخ محمود قابادو سنة (1404هـ=1984م) في مجلدين، تضمن المجلد الأول أشعاره، في حين ضم الجزء الآخر الآثار النثرية له، ومعظمها رسائل صغيرة وديباجات لكتب.

عاش الشيخ محمود قابادو حياته مكرما بين العامة والخاصة حتى آخر حياته التي كللها بتوليه منصب الإفتاء تأكيدًا على نبوغه في العلوم الشرعية إلى جانب العلوم الأخرى، وظل متوليًا هذا المنصب ثلاث سنوات حتى أصيب بدمل خبيث بين كتفيه عجز الأطباء عن علاجه، وكان سبب وفاته،

حيث لم يمهله المرض طويلا فتوفي يوم الأحد الموافق (3 من رجب 1288هـ= 7 من سبتمبر 1871م).

عاش الشيخ محمود قابادو حياته مكرما بين العامة والخاصة حتى آخر حياته التي كللها بتوليه مصب الإفتاء تأكيدًا على نبوغه في العلوم الشرعية إلى جانب العلوم الأخرى، وظل متوليًا هذا المنصب ثلاث سنوات حتى أصيب بدمل خبيث بين كتفيه عجز الأطباء عن علاجه، وكان سبب وفاته،

حيث لم يمهله المرض طويلا فتوفي يوم الأحد الموافق (3 من رجب 1288هـ= 7 من سبتمبر 1871م).