الاثنين، 5 أكتوبر 2009

علماء من تونس الشيخ محمد الشاذلي النيفر


أصله و سلفه .


نزح سلَفه آل النيفر من الأندلس مع الجالية التي ألجأها الأسبان إلى الهجرة سنة 1016هـ واستقروا بمدينة صفاقس ، ثم رحلوا منها إلى تونس حوالي سنة 1120هـ واستقروا بها إلى اليوم.
وقد أخبرني الشيخ رحمه الله تعالى- في آخر زيارةٍ لـه بداره العامرة بتونس قبل ثلاثة أسابيع من وفاته - أنه عندما زار باكستان لحضور أحد المؤتمرات ، التقى بأحد الساسة الأسبان وأظنه سفير إسبانيا بباكستان ، فلما رأى لقب ( النيفر ) مكتوباً على البطاقة المعلقة على ثوبه قال له: إن هذا اللقب موجود عندنا بإسبانيا بمقاطعة نفار ( NAVAR ) بالجزيرة الأندلسية .


المولد والنشأة .

ولد الشيخ رحمه الله سنة 1911م بمدينة تونس في بيت علم و فضل وشرف ، ونشأ في رعاية والده أحد أعلام الزيتونيين ، فأحسن تربيته على القيم الإسلامية الرفيعة والآداب العالية.
ففي بيته تعلم مبادئ العلوم الشرعية واللغة العربية ، ثم التحق بالمدرسة القرآنية ، وفي عام 1924م التحق بجامع الزيتونة لمواصلة دراسته الثانوية متدرجاً في مراحلها بنجاح مميز حتى أحرز شهادة ختم الدروس الثانوية سنة 1930م وهي شهادة تؤهل صاحبها للتدريس بجامع الزيتونة بصفة متطوِّع ، ولذلك تسمى شهادة التطويع وكان من جملة شيوخه بالزيتونة شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط رحمه الله تعالى (ت 1937م) وقاضي الجماعة العلامة الشيخ محمد البشير النيفر رحمه الله تعالى (ت 1974م) وحصل على إجازة من العلامة الشهير شيخ الإسلام محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله تعالى (ت 1973م) .


بعد التخرج .

وفي سنة 1934م باشر الشيخ رحمه الله تعالى التدريس بجامع الزيتونة والمعاهد التابعة لـه ، ولم يزل كذلك حتى سنة 1990م حيث أقعده المرض ، وقد كانت دروسه عذبة لطيفة في إشاراتها فصيحة في عباراتها ، وكان رحمه الله تعالى لواسع علمه يأتي بالعجب العجاب لسامعيه ، فهو بحر علم يَعُبُّ عُبابه ويَـغبُّ ميزابه ، وقد أكرمني الله بمشاهدة هدْيه وسماع كلامه وامتلأت عيني وأذني منه .


وفي سنة 1936م شارك في تأسيس جمعية الزيتونيين التي أنشئت لإعداد النشرات ، وتنظيم المحاضرات والاحتفالات بالمناسبات الدينية ، وقد تولى الشيخ رحمه الله تعالى خطة الكاتب العام

لهذه الجمعية.
وفي سنة 1937م ساهم في تأسيس الشبيبة الزيتونية التي ترمي إلى توحيد كلمة أبناء الجامع

الأعظم .

وفي سنة (1365هـ/1946م) أكرمه الله بالحج إلى بيت الله الحرام ، وكانت فرصة للقاء عدد من علماء المسلمين جمعهم هذا الموسم العظيم ، وفي هذه المناسبة فكر الشيخ رحمه الله تعالى في دعوة حكومة المملكة العربية السعودية إلى حمل الجامعة العربية على الاشتغال بقضية الشمال الأفريقي فأجاب بقبوله الرغبة من الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى.


وفي سنة 1953م أسس الشيخ رحمه الله تعالى جريدة الزيتونة الأسبوعية واختص بتحرير افتتاحيتها ليكتب عن هموم الأمة والمطالبة بإصلاح الزيتونة والذبِّ عنها مما عرَّضها للإيقاف عن الصدور مرتين ، وفي الثالثة أوقفت نهائياً ، وذلك في سنة 1957م.


كان الشيخ رحمه الله تعالى طيلة حياته مناضلاً شجاعاً يدفعه إيمانه بما يعتقد أن يقف مواقف الرجال في أحلك الفترات ، فكانت له مشاركات في الأحداث التاريخية التي وقعت أثناء فترة الاستعمار ، فكان فاعلاً للأحداث صانعاً لها غير منفعل بها ، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يناله الابتلاء وذلك حين تولى إدارة المدارس الزيتونية لسكنى الطلبة فاستاءت منه السلطة الاستعمارية ، فتعرض بيته للتفتيش ، وألقي عليه القبض ثم وضع رهن الإقامة الجبرية .
وبعد الاستقلال شارك الشيخ رحمه الله تعالى في الحياة السياسية حيث انتخب سنة 1959م نائباً بمجلس الأمة الأول وترأَّس الجلسات الافتتاحية في عدَّة دورات ،وكان محل إكبار الجميع لمواقفه الثابتة وشجاعته .
غير أن كفاح الشيخ رحمه الله تعالى لم يشغله عن مهامه الدعوية والإرشادية والتعليمية ، فقد تولى الإمامة والخطابة بجامع باب الأقواس بتونس منذ سنة 1946م وظل داعياً إلى الله مرشداً وموجهاً آمرا وناهيا ، وكان لخطبه الأثر الكبير في نفوس المصلين فلم يترك الخطابة بهذا الجامع حتى أيامه الأخيرة.
وفي سنة 1977م أنتخب عميداً للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ، فأظهر براعة فائقة في حسن الإدارة بهمة عالية وعمل دؤوب ، فاجتمعت القلوب عليه فأعيد انتخابه مرة أخرى.
وكان نشاطه رحمه الله تعالى موزعاً بين العمل الإداري والتدريس وإلقاء المحاضرات خارج الكلية في المناسبات المتنوعة ، وقد تسلم عمادة الكلية ، وبها أربعمائة طالب فقط ، فارتفع العدد إلى أثني عشر مائة طالب وطالبة ، أغلبهم من تونس وفيهم طلاب من مختلف البلاد الإسلامية.
وقد تولى الشيخ رحمه الله تعالى تجديد البرامج التعليمية ، بحيث أصبحت تتناسب مع المستوى العلمي للطلبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بعد أن انقرضت طبقة الشباب الزيتوني .
ثم إن الشيخ رحمه الله تعالى وسَّـع دائرة التعليم في الكلية وأنشأ أقساماً جديدة أثرى بها الكلية ، ولم تكن الكلية يومها تسير وِفق قانونٍ رسمي ينظم الدراسة بها ، فبادر إلى وضع هذا القانون ، واستصدر أمراً ينص على اعتبار الكلية الزيتونية مؤسسة جامعية ، تعنى بالدراسات والبحوث الإسلامية .

وفي سنة 1400هـ أقام مهرجاناً علمياً كبيراً بمناسبة مرور ثلاثة عشر قرناً على تأسيس جامع الزيتونة أقدم جامعة عرفها العالم ، حيث ألقيت بحوث قيمة بهذه المناسبة .


وقد أكرم الله الشيخ بأن حبَّب إليه العناية بالقرآن الكريم فأولاه عناية خاصة ، حيث ترأس الجمعية القومية للمحافظة على القرآن الكريم قبل أكثر من خمس وعشرين سنة فكان يسعى في توفير الاعتمادات المالية لها من تونس ومن خارجها .
فكان يطوف بنفسه للإشراف على الإملاءات الليلية التي تنظمها الجمعيات القرآنية بمختلف مساجد تونس ، وأنشأ إملاءات قرآنية صيفية صباحية لتلاميذ السنة الخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي وكامل مراحل التعليم الثانوي ، وكانت هذه الإملاءات تختتم بامتحان في الحفظ والتلاوة ، توزع فيه الجوائز للفائزين ، وقد نظم رحمه الله تعالى مباراة قومية سنوية لحفظ كتاب الله تعالى ويقام لها حفل كبير ينتظم في العاصمة تونس خلال شهر رمضان المعظم منذ تسع سنوات إلى اليوم .


صلته بالعالم الإسلامي .


وكان رحمه الله تعالى على صلة قوية بمختلف أقطار العالم الإسلامي حيث يحرص على المشاركة في الملتقيات الإسلامية يشهد له بذلك أبحاثه ومداخلاته القيمة وكان محل إكبار وتقدير وإجلال ، فهو عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه التابع لها ، وقد شارك في أغلب ندواتها .


مؤلفاته .

أما جهوده العلمية ، فتتمثل في المصنفات التي نافت على العشرين بين تأليف وتحقيق .
فمنها تفسير مدرسي لجزء عم وتبارك .
ومنها شرح همزية الإمام البوصيري .
ومنها حكم التجنس قال عنه: ( ذهبت فيه إلى أن الأمم الإسلامية إذا وقع البعض منها تحت حكم الكفر لا يبارحون ديارهم ، لأن ذلك مؤد إلى إقرار الكفرة في ديارهم كما وقع في الأندلس)
ومنها تقديم وتحقيق كتاب (مسامرات الظريف بحسن التعريف) للشيخ أبي عبد الله محمد بن عثمان السنوسي ، وهو كتاب ألّم بالحياة العلمية والأدبية بتونس في أربعة أجزاء .
ومنها تقديم وتحقيق أوَّلُ شرحٍ لصحيح مسلم وهوكتاب ( المُـعْـلِم بفوائد مسلم ) للإمام أبي عبد الله المازري رحمه الله تعالى في ثلاثة أجزاء ، وقد صدَّره بدراسة مستفيضة ظهر من خلالها عظيم قدْر الشيخ رحمه الله في الفقه والحديث والعقائد والتاريخ .
وله رحمه الله تعالى ما يزيد على خمسين بحثاً في شتى العلوم .
فمنها أحاديث في فضل إفريقية ، ومنها عناية أهل المغرب بصحيح مسلم ، ومنها تفتُّح الفقه الإسلامي على الحياة الإنسانية ، وله رحمه الله تعالى ديوان شعر في جزأين يدل على أنه شاعر من الطراز الأول .
فيقول في مطلع قصيدة نبوية يخاطب حضرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه:
أتتك القــوافي قد حداها نزوعها و أشرق في مـدح الجناب طلوعها
أُنـزِّه شعـري أن أشــيد بغيركم أُعِزُّ القـوافي إنني لا أضيعـــها
وللشيخ رحمه الله وَلَـعٌ شديد بجمع نوادر الكتب ، من مخطوط ومطبوع حتى بلغ ما لديه اثني عشر ألف كتاب مطبوع ، وثمانمائة مخطوط منها مالا يوجد في غير هذه المكتبة .
ومن نُـبْـلِ هذا الإمام وكرمه وفضله أن حرص على حفظ هذه الكتب وتسهيل الوصول إليها للباحثين فبنى من حُـرِّ مالِـهِ بناءً جميلاً وجعله بيتاً لهذه الكتب ، ثم استأجر من يقوم بترتيبها وفهرستها واستعان بالحاسب الآلي في ذلك ، وجعل لها من يقوم عليها تيسيراً للمطالعة فيها لمن شاء من الباحثين.
وقد تم افتتاح هذه المكتبة في الثاني من جمادى الثاني من عام 1412هـ وأقيم في ذلك حفل بهيج بحضور عدد كبير من رجال العلم والفكر والأدب.
هذه ومضات يسيرة من سيرة هذا العلم المفرد وإن في حياته جوانب مضيئة أخرى ، لو تركت للقلم مجالاً، رحم الله فقيد الأمة وجبر مصابها فيه .

وفاته .


و في 4/8/1418هـ أصيب العالم الإسلامي بوفاة أحد صدور العلماء فيه وهو العالم الجليل المحقق الفقيه البحاثة المؤرخ الأديب الشاعر المتفنن في جملة من العلوم العقلية و النقلية ، ألا وهو الشيخ محمد الشاذلي ابن العلامة قاضي الجماعة بتونس الشيخ محمد الصادق النيفر الحسيني نسبة إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنه.


من مقال أحد تلاميذه من العلماء – بتصرف-
قيــس بن محمد آل الشيخ مبــــارك
أستاذ الفقه –جامعة الملك فيصل- الإحساء


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق